تعرض المدونة مقالات رأي ومقالات رياضية

تصنيف: أراء

الصورة الذهنية للكلمة

الصورة الذهنية للكلمة

محمد كمال


بقلم: محمد كمال - الجمعة 18 يوليو 2014


الكلمة مرتبطة بمعنى وصورة في الأذهان، ويدرك الإنسان معنى الكلمة من خلال تكوين صورة لها داخل عقله حتى ولو كانت غير ذات معنى. وينقل إبراهيم أنيس في كتابه دلالة الألفاظ عن فندريس قوله "كل كلمة أيا كانت توقظ دائما في الذهن صورة ما، بهيجة أو حزينة، رضية أو كريهة، كبيرة أو صغيرة، تفعل ذلك مستقلة عن المعنى الذي تعبر عنه، وقبل أن يُعرف هذا المعنى في غالب الأحيان"، ولا تخطر الصورة في الذهن إلا حين النطق بلفظ معين، فعلى سبيل المثال لو قال لك أخوك "احضر التفاح من الثلاجة" ففي هذه الحالة ترتسم في ذهنك عدة صور وهي صورة التفاح وصورة الثلاجة وصورة للمسار الذي تتخذه أثناء ذهابك لإحضار التفاح، والأمر يبدو جليا عندما يصف لك شخص مكان ما تريد الذهاب إليه، فعندما يبدأ لك في الوصف يبدأ ذهنك في تخيل المكان ولو عجز عن ذلك فإنك لا تستطيع أن تفهمه، وفي المقابل عندما تحكي لصديق لك عن موقف حدث لك في الماضي فإن عقلك يستحضر أيضا الصور المدعمة لتلك الألفاظ إذن فالألفاظ اصطنعها الإنسان للتعبير عما يخطر في ذهنه، وهو يفكر بواسطة هذه الألفاظ.

ولقد استغل الغرب هذا الأمر استغلالا بارعا في نقل الصور الإيجابية التي يريدها وكذلك الصور السلبية، حيث نجح نجاحا باهرا في نقل صورة إيجابية له في أذهاننا حتى أصبحت لدينا ما يسمى بعقدة الخواجة فأينما ذكرت أية دولة أوروبية توارد إلى أذهاننا التقدم والرقي والحضارة، ولذلك فإنك قد تجد شخصا يتباهي بأنه أكمل تعليمه في أوروبا أو زار دولة أوروبية معينة ...إلخ، وعلى النقيض نجح الغرب نجاحا باهرا في ترك صورة سلبية عن العرب في أذهان مواطنيه وحتى في أذهان الكثير منا ، فأينما ذكرت كلمة "العرب" اقترن بها في أذهاننا التخلف والرجعية ولذلك قد تجدنا نحن العرب عندما ننكر على أحد موقف ما نقول "هكذا نحن العرب دائما ما نفعل كذا وكذا". وفعلوا الشئ نفسه مع الإسلام والمسلمين من خلال استخدامهم لهذه المهارة وهي مهارة إعطاء معنى مغاير للكلمة مع طبع صورة في الأذهان لهذه الكلمة بهذا المعنى، فأينما ذُكِرَت اللفظة "إسلاميون" اقترنت بالإرهاب والعنف، والعكس أينما ذُكِرَت اللفظة "إرهاب" اقترنت بالإسلام والمسلمين. وفي الحقيقة فإن اللاعب الرئيسي في نقل هذه الصور هو الإعلام المقروء والمسموع وذلك لِمَا لكلماته من تأثير كتأثير السحر على المتابعين.

ويمكن أن تنشئ للكلمة معاني مختلفة ومتناقضة إذا ما أردت ذلك؛ لأن الكلمة عبارة عن لفظة وصورة تنطبع في الأذهان، وهذا ما دفعنا أن نتحدث عن ماهية الصورة الذهنية وكيف يمكن بناء تلك الصورة؟ وهل يمكننا بناء صورة ذهنية للكلمة عكس المعنى المعروف لهذه الكلمة؟

الصورة الذهنية

يقول "عاطف عدلي العبد" في كتابه (الإعلام وثقافة الطفل العربي) الصورة الذهنية هي "الناتج النهائي للانطباعات الذاتية التي تتكون عند الأفراد أو الجماعات إزاء شخص معين أو نظام معين أو شعب معين أو جنس معين أو منشأة أو مؤسسة أو منظمة محلية أو دولية أو مهنة معينة أو أي شيء آخر يمكن أن يكون له تأثير على حياة الإنسان، وتتكون هذه الانطباعات من خلال التجارب المباشرة وغير المباشرة، وترتبط هذه التجارب بعواطف الأفراد واتجاهاتهم بغض النظر عن صحة المعلومات التي تتضمنها خلاصة هذه التجارب، فهي تمثل بالنسبة لأصحابها واقعا صادقا ينظرون من خلاله إلى ما حولهم ويفهمونه أو يقدرونه على أساسها".

ويعرفها علي عجوة في كتابه (العلاقات العامة والصورة الذهنية): هي "الصورة الفعلية التي تتكون في أذهان الناس عن المنشآت والمؤسسات المختلفة، وقد تتكون هذه الصورة من التجربة المباشرة أو غير المباشرة، وقد تكون عقلانية أو غير رشيدة وقد تعتمد على الأدلة والوثائق أو الإشاعات والأقوال غير الموثقة، لكنها في النهاية تمثل واقعا صادقا بالنسبة لمن يحملونها في رؤوسهم".

والشئ الخطير في التعريفين السابقين أن الصورة الذهنية تتكون لدى الأفراد عن طريق المعلومات التي قد تكون زائفة وغير صحيحة والتي تمثل عند بعضهم واقعا صحيحا وتؤدي إلى تغيير سلوكياتهم كما أنها تؤثر في انفعالاتهم وعواطفهم، وهذا يقودنا إلى معرفة مكونات الصورة الذهنية.

مكونات الصورة الذهنية

1- المكون المعرفي: ويقصد به المعلومات التي يكون بها الفرد فكرة عن موضوع ما أو قضية ما تتعلق بشخص أو مؤسسة أو دولة. وكلما كانت هذه المعلومات دقيقة كلما ذادت دقة الصورة التي يكونها الفرد، ولذلك فإنه ينبغي على الشخص الذي يتلقى المعلومات من مصدر ما أن يتحقق من مدى صحة معلومات هذا المصدر حتى تصبح الصورة الذهنية المتكونة لديه صحيحة ولا لبس أو غموض فيها. ولذلك فإن المصادر الإعلامية التابعة لكل دولة أو مؤسسة تحاول جاهدة أن تبني لدى الأفراد الصورة الذهنية التي ترغبها وتخدم أهدافها.

2- المكون الوجداني: ويقصد به الميل بالإيجاب أو السلب تجاه موضوع أو قضية تخص فرد أو شعب أو أمة ويتشكل هذا المكون بناء على المكون المعرفي الذي يزول بمرور الوقت مع تبقي المكون الوجداني والذي يظهر من خلال الأراء والاتجاهات والميول نحو تلك القضايا. فعلى سبيل المثال: إذا توافرت معلومات مزيفة عن قضية حجاب المرأة لدى الفرد وتم ربط هذه القضية بمصطلحات التخلف والرجعية فإن هذا الفرد سوف تجده يشعر بالإشمئزاز أو الكراهية تجاه من ترتدي الحجاب.

3- المكون السلوكي: وهذا المكون مبني على المكونين المعرفي والوجداني، لأن الصورة الذهنية التي كونها الفرد بناء على المعرفة والميل النفسي تظهر في صورة سلوك سواء كان هذا السلوك سلوكا سلبيا أو إيجابيا. وفي المثال السابق المتعلق بالحجاب تجد ميل هذا الشخص قد تحول إلى سلوك عدواني تجاه من ترتدي الحجاب.

لمحة تربوية

مسئولية بناء الصورة الذهنية الإيجابية تقع على عاتق الآباء تجاه أبنائهم الصغار، حيث تجد أن الطفل دائما ما يسأل عن معاني الأشياء سواء كانت هذه الأشياء مرئية أو مجردة، ويجب على الآباء أن يتسموا بالدقة في الإجابة عن أسئلة الطفل، كما أن الطفل يعتمد على تجاربه السابقة في بناء الصورة الذهنية للأشياء وعلى اختلاف تلك التجارب تختلف الدلالات في ذهنه فالطفل الذي تعود منذ صغره أن يكون له كلب صغير يؤاكله ويلاعبه، وقد ينام معه في سريره، يدرك من دلالة لفظ "الكلب" غير ما يدرك طفل آخر كل تجاربه مع الكلاب تتلخص في أن أحدها قد عضه في رجله في يوم من الأيام. فعليكم أيها الآباء أن تبنوا صورا ذهنية إيجابية للصدق والأمانة والوطنية والإسلام والأخوة والشجاعة وغيرها من الكلمات التي من شأنها أن تبني قيم أصيلة داخل أبناءكم.

 

 

الاستراتيجية الجديدة لحرب الأفكار


 

محمد كمال

بقلم محمد كمال:  الأربعاء 09 يوليو 2014

twitter: @maskamel

يعد الأمريكي "لويس باول" هو أول من أطلق مصطلح حرب الأفكار وذلك في بداية السبعينيات من القرن الماضي، وتحمس لفكرته أحد اليمينيين المتطرفين وهو "وليام كورز" فأسس مراكز للأبحاث لهذا الغرض

إن حرب الأفكار هي حرب ضروس تفوق في ضراوتها وقدرتها على التدمير قوة القنبلة الهيدروجينية، لأنها تدمر العقول لعدة عقود وربما لمئات السنين مالم يتم تدارك الأمر، فالفكرة عندما تصل إلى العقل وتستقر به فإنها تتحول تلقائيا إلى معتقد، إذن فالمعتقد أصله فكرة اقتنع بها متلقيها فاستقرت في وجدانه وترجمت إلى أفعال وأقوال، بل ويقاتل حاملها من أجلها إذا اقتضت الضرورة ذلك.

وفكرة الإسلام الرئيسية هي التوحيد، فعندما جاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم بها، كانت هناك معتقدات موجودة وهي الوثنية والمسيحية واليهودية، وهذه المعتقدات كما بينا في البداية كانت أفكارا استقرت في الوجدان فأصبحت معتقدات، فجاء النبي ليدحض هذه الأفكار الوثنية ومصححا للمعتقد المسيحي واليهودي الذي حاد عن المسار الصحيح عبر التحريف والتزييف،. استقرت الفكرة الإسلامية في النفوس متحولة إلى معتقد دافع عنه صحابة رسول الله ومن جاء بعدهم بالمال والنفس وانتشر الإسلام ووصل إلى أغلب سكان الأرض في فترة هي الفترة الأكثر إضاءة في تاريخ البشرية.

وحينما حاولت القوى الغربية محاربة الإسلام قاموا بالحرب التقليدية وهي الحرب مباشرة بالسلاح مع العمل على طمس الهوية الإسلامية للبلاد التي احتلتها تلك القوى، ولكنهم اكتشفوا في النهاية أنهم لم يفلحوا في ذلك، ثم قاموا بتغيير هذه الاستراتيجية عبر ما يسمى حرب الأفكار، وهي حرب الفكرة بفكرة مغايرة وبالتالي ظهرت الأفكار الماركسية والليبرالية والعلمانية وتم استقطاب من يسمون بالنخبة في بلدانهم ليتم صناعتهم على أعينهم وإطلاقهم على بني جلدتهم، ولكن هذه الاستراتيجية هي الأخرى لم تحقق تقدما يتناسب مع الجهود المبذولة، والدليل على ذلك اكتساح التيار الإسلامي لجميع الاستحقاقات الانتخابية في دول الربيع العربي بالذات مع تعرية النخبة المعدلة فكريا ووضوح هشاشة وزنها على الأرض.

لجأت القوى الغربية لفكرة أكثر دهاء ومكرا وأعمق تأثيرا على الأرض وهي محاربة الفكرة بالفكرة ذاتها ولكن بعد إجراء تعديلات عليها، وأبلغ دليل على ذلك ما ظهر في الفترة الأخيرة بما يمسى بالإسلام الصحيح أو الإسلام المعتدل، وأقوى دليل على ذلك تقرير مؤسسة RAND التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية والذي خصص فصلا كامل عن الإسلام المعتدل وخصائص المسلم المعتدل وصفاته، ومن ضمن ما قرأنا فيه هو اعتراف واضعو التقرير بأنهم لم ينجحوا في تغيير نظرة المسلمين للإسلام ولم تنجح نخبهم المصنوعة في إحداث تغيير في هذا الأمر، ولكنهم الآن يريدون تغيير الإسلام نفسه عبر وضع تصور جديد للإسلام المعتدل ثم تدريسه للمسلمين (ولمن يريد أن يطلع أكثر في التفاصيل بخصوص هذا الأمر عليه قراءة التقرير كاملا). الفكرة هنا هي محو الإسلام الحقيقي ومحاربته بفكرة من نفس النوع، فهذه الفكرة المزيفة إسلامية في ظاهرها ولكنها مضللة وقالبة للحقائق ومشوهة للمفاهيم الإسلامية، ولعلنا شاهدنا في مصر الفيديو الذي رقصت فيه إحدى الناخبات أمام لجنة انتخابية وعلقت على ذلك السلوك الجديد على المجتمع المصري إحدى السيدات التي تعتبر نفسها من النخبة بقولها "إن هذا هو الإسلام الصحيح الذي نريده".

إن الحرب الآن ليست مقاومة الفكرة بفكرة مغايرة كما كان في السابق بل إن الحرب الآن هي مقاومة الفكرة الأصيلة بفكرة من نفس جنسها ولكنها فكرة مزيفة، مثل ورقة البنكنوت المزيف ظاهرها ورقة بنكوت ولكنها في الحقيقة ما هي إلا ورقة عادية لا قيمة لها. وللتوضيح أكثر نذكر المثال التالي، الإسلام ذروة سنامه الجهاد، وذلك كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه هي الفكرة الإسلامية الأصيلة، ولكن الفكرة المزيفة طبقا لتقرير راند الملعون هي اعتبار أن الجهاد يعتبر عمل إرهابي وصاحبه يصنف ضمن المتشددين الذين لا يمثلون الإسلام المعتدل، والإسلام ليس فيه جهاد، فالإسلام المعتدل الذي يقصدونه يحمل مواصفات معينة معدلة لكي تتماشى مع متغيرات العصر كما يزعمون، ففي مثال آخر تجد أصحاب فكرة الإسلام المعتدل يقولون أن الأنثى تتساوى مع الذكر في كل شئ حتى في الميراث، ويطالب هؤلاء المزيفون بضرورة مراجعة ما ورد في القرآن الكريم "للذكر مثل حظ الأنثيين" وتعديل هذا الأمر بدعوى أن الزمن تغير ومتطلبات الحياة تغيرت عما كانت في الماضي. ولك أن تقس على ذلك القيم الأخلاقية مثل الشهامة والصدق والأمانة والشجاعة وغيرها من القيم التي بدأت في الانطفاء تدريجيا بمجتمعاتنا العربية.

 

 إذن من خلال ما تقدم يتضح لنا أن هذه القوى الغربية الخبيثة تحارب فكرتنا الأصيلة بنفس الفكرة ولكن بعد إجراء التعديلات عليها لتصبح فكرة مزيفة، وهذا هو الأخطر على الإطلاق، ولذلك يجب على المخلصين أن يتصدوا لهذا الأمر الخطير ويقوموا بعمل توعية مكثفة للجمهور، مع القيام بتوصيف دقيق للمفاهيم الإسلامية والقيم الأخلاقية حتى لا يستغل المغرضون عدم إلمام الجمهور بهذه الأمور ومن ثَمَّ يسهل عليهم تزييف الحقائق وتشويهها.