تعرض المدونة مقالات رأي ومقالات رياضية

الاستراتيجية الجديدة لحرب الأفكار


 

محمد كمال

بقلم محمد كمال:  الأربعاء 09 يوليو 2014

twitter: @maskamel

يعد الأمريكي "لويس باول" هو أول من أطلق مصطلح حرب الأفكار وذلك في بداية السبعينيات من القرن الماضي، وتحمس لفكرته أحد اليمينيين المتطرفين وهو "وليام كورز" فأسس مراكز للأبحاث لهذا الغرض

إن حرب الأفكار هي حرب ضروس تفوق في ضراوتها وقدرتها على التدمير قوة القنبلة الهيدروجينية، لأنها تدمر العقول لعدة عقود وربما لمئات السنين مالم يتم تدارك الأمر، فالفكرة عندما تصل إلى العقل وتستقر به فإنها تتحول تلقائيا إلى معتقد، إذن فالمعتقد أصله فكرة اقتنع بها متلقيها فاستقرت في وجدانه وترجمت إلى أفعال وأقوال، بل ويقاتل حاملها من أجلها إذا اقتضت الضرورة ذلك.

وفكرة الإسلام الرئيسية هي التوحيد، فعندما جاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم بها، كانت هناك معتقدات موجودة وهي الوثنية والمسيحية واليهودية، وهذه المعتقدات كما بينا في البداية كانت أفكارا استقرت في الوجدان فأصبحت معتقدات، فجاء النبي ليدحض هذه الأفكار الوثنية ومصححا للمعتقد المسيحي واليهودي الذي حاد عن المسار الصحيح عبر التحريف والتزييف،. استقرت الفكرة الإسلامية في النفوس متحولة إلى معتقد دافع عنه صحابة رسول الله ومن جاء بعدهم بالمال والنفس وانتشر الإسلام ووصل إلى أغلب سكان الأرض في فترة هي الفترة الأكثر إضاءة في تاريخ البشرية.

وحينما حاولت القوى الغربية محاربة الإسلام قاموا بالحرب التقليدية وهي الحرب مباشرة بالسلاح مع العمل على طمس الهوية الإسلامية للبلاد التي احتلتها تلك القوى، ولكنهم اكتشفوا في النهاية أنهم لم يفلحوا في ذلك، ثم قاموا بتغيير هذه الاستراتيجية عبر ما يسمى حرب الأفكار، وهي حرب الفكرة بفكرة مغايرة وبالتالي ظهرت الأفكار الماركسية والليبرالية والعلمانية وتم استقطاب من يسمون بالنخبة في بلدانهم ليتم صناعتهم على أعينهم وإطلاقهم على بني جلدتهم، ولكن هذه الاستراتيجية هي الأخرى لم تحقق تقدما يتناسب مع الجهود المبذولة، والدليل على ذلك اكتساح التيار الإسلامي لجميع الاستحقاقات الانتخابية في دول الربيع العربي بالذات مع تعرية النخبة المعدلة فكريا ووضوح هشاشة وزنها على الأرض.

لجأت القوى الغربية لفكرة أكثر دهاء ومكرا وأعمق تأثيرا على الأرض وهي محاربة الفكرة بالفكرة ذاتها ولكن بعد إجراء تعديلات عليها، وأبلغ دليل على ذلك ما ظهر في الفترة الأخيرة بما يمسى بالإسلام الصحيح أو الإسلام المعتدل، وأقوى دليل على ذلك تقرير مؤسسة RAND التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية والذي خصص فصلا كامل عن الإسلام المعتدل وخصائص المسلم المعتدل وصفاته، ومن ضمن ما قرأنا فيه هو اعتراف واضعو التقرير بأنهم لم ينجحوا في تغيير نظرة المسلمين للإسلام ولم تنجح نخبهم المصنوعة في إحداث تغيير في هذا الأمر، ولكنهم الآن يريدون تغيير الإسلام نفسه عبر وضع تصور جديد للإسلام المعتدل ثم تدريسه للمسلمين (ولمن يريد أن يطلع أكثر في التفاصيل بخصوص هذا الأمر عليه قراءة التقرير كاملا). الفكرة هنا هي محو الإسلام الحقيقي ومحاربته بفكرة من نفس النوع، فهذه الفكرة المزيفة إسلامية في ظاهرها ولكنها مضللة وقالبة للحقائق ومشوهة للمفاهيم الإسلامية، ولعلنا شاهدنا في مصر الفيديو الذي رقصت فيه إحدى الناخبات أمام لجنة انتخابية وعلقت على ذلك السلوك الجديد على المجتمع المصري إحدى السيدات التي تعتبر نفسها من النخبة بقولها "إن هذا هو الإسلام الصحيح الذي نريده".

إن الحرب الآن ليست مقاومة الفكرة بفكرة مغايرة كما كان في السابق بل إن الحرب الآن هي مقاومة الفكرة الأصيلة بفكرة من نفس جنسها ولكنها فكرة مزيفة، مثل ورقة البنكنوت المزيف ظاهرها ورقة بنكوت ولكنها في الحقيقة ما هي إلا ورقة عادية لا قيمة لها. وللتوضيح أكثر نذكر المثال التالي، الإسلام ذروة سنامه الجهاد، وذلك كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه هي الفكرة الإسلامية الأصيلة، ولكن الفكرة المزيفة طبقا لتقرير راند الملعون هي اعتبار أن الجهاد يعتبر عمل إرهابي وصاحبه يصنف ضمن المتشددين الذين لا يمثلون الإسلام المعتدل، والإسلام ليس فيه جهاد، فالإسلام المعتدل الذي يقصدونه يحمل مواصفات معينة معدلة لكي تتماشى مع متغيرات العصر كما يزعمون، ففي مثال آخر تجد أصحاب فكرة الإسلام المعتدل يقولون أن الأنثى تتساوى مع الذكر في كل شئ حتى في الميراث، ويطالب هؤلاء المزيفون بضرورة مراجعة ما ورد في القرآن الكريم "للذكر مثل حظ الأنثيين" وتعديل هذا الأمر بدعوى أن الزمن تغير ومتطلبات الحياة تغيرت عما كانت في الماضي. ولك أن تقس على ذلك القيم الأخلاقية مثل الشهامة والصدق والأمانة والشجاعة وغيرها من القيم التي بدأت في الانطفاء تدريجيا بمجتمعاتنا العربية.

 

 إذن من خلال ما تقدم يتضح لنا أن هذه القوى الغربية الخبيثة تحارب فكرتنا الأصيلة بنفس الفكرة ولكن بعد إجراء التعديلات عليها لتصبح فكرة مزيفة، وهذا هو الأخطر على الإطلاق، ولذلك يجب على المخلصين أن يتصدوا لهذا الأمر الخطير ويقوموا بعمل توعية مكثفة للجمهور، مع القيام بتوصيف دقيق للمفاهيم الإسلامية والقيم الأخلاقية حتى لا يستغل المغرضون عدم إلمام الجمهور بهذه الأمور ومن ثَمَّ يسهل عليهم تزييف الحقائق وتشويهها.



التعليقات

  1. أحمد بشتة علق:

    رد: الاستراتيجية الجديدة لحرب الأفكار

    تمام .. ما شاء الله مقال رائع ف الصميم

  2. بوفهد علق:

    رد: الاستراتيجية الجديدة لحرب الأفكار

    لا فض فوك


إضافة تعليق