تعرض المدونة مقالات رأي ومقالات رياضية

كرة القدم وبناء الأخلاق .... التسامح


محمد كمال


بقلم: محمد كمال، الأحد 13 يوليو 2014

استوقفني خبر قرأته على موقع روسي يقول "متعصبوا كرة القدم الروس من التخريب إلى التسامح"، ويتحدث الخبر عن توقيع الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" على قانون يسمى "قانون المشجعين" والذي يقضي بمعاقبة المشجعين المتعصبين، وبينما أتابع تفاصيل الخبر، تبادرت الأسئلة التالية إلى ذهني: هل فرض القوانين وإجبار المشجعين على الالتزام بسلوك التسامح يحل مشكلة التعصب؟ ماذا لو كان لاعبو الفريقين هم الذين يدعون للتسامح، وذلك من خلال ممارسة ذلك عمليا فيما بينهم داخل الملعب؟ ماذا لو تم تخصيص مساحة إعلانية قبل المباراة لنجوم الفريقين تحث على التسامح ونبذ التعصب؟

مما لا شك فيه أن اللاعبين المتميزين داخل الملعب هم قدوة لمن خارجه في سلوكياتهم المختلفة، وبالتالي فإن خُلُق التسامح إذا ما تم غرسه وتنميته في سلوكيات اللاعبين داخل الملعب فإنه سينعكس إيجابا على تصرفات المشجعين بالمدرجات، بل سيتعدى ذلك حدود كرة القدم وينعكس على قطاع كبير من المجتمع.

معنى التسامح:

والتسامح هو احترام ثقافة وعقيدة وقيم الآخرين أيا كان عرقهم أو جنسهم أو لغتهم، وعدم ممارسة أي شكل من أشكال الاعتداء اللفظي أو البدني لهذه الأسباب. ففي الملعب الكل يتكلم لغة واحدة وهي كرة القدم، الكل له نفس الهدف وهو الفوز، القانون يطبق على الجميع على اختلاف أجناسهم ولغتهم وألوانهم، داخل الملعب لا يوجد حديث عن الأصول العرقية ولكن الحديث الأوحد هو العطاء والأداء. ويقول "فولتير" 1694-1778 (كلنا ضفعاء وميالون للخطأ، لذا دعونا نتسامح مع جنون بعضنا البعض، بشكل متبادل). والتسامح هنا يعني أننا نصفح عما بدر من الآخر من خطأ تجاهنا، ومن هنا ينبغي أن ندرك أن الاختلاف موجود بين البشر وعلينا أن نتعايش مع هذا الاختلاف ونقلل من التوتر الناتج عنه، وهذا لن يحدث إلا من خلال ممارسة خُلُق التسامح، فلا يصح للاعب الذي تم عرقلته من لاعب منافس أن يقوم بالرد بالضرب انتقاما لنفسه، بل عليه أن يدرك أن هذه العرقلة ربما جاءت عن طريق خطأ غير مقصود، حتى وإن كان الخطأ مقصود، فإنه إذا ما تحلى بخلق التسامح تجده يترفّع عن رد الإساءة بالمثل، بل يكتفي بابتسامة عريضة يمكن أن يكون لها وقعا سحريا على اللاعب المنافس وكذلك على الجماهير بالمدرجات.

ومن مظاهر التسامح العفو عند المقدرة، وعدم رد الإساءة بالإساءة، وكذلك التخلي عن الرغبة في الإساءة للآخرين بدافع الانتقام، كما يقوم الشخص المتسامح بدعم الممارسات والأفعال التي تحظر التمييز العرقي والديني، والاحترام والقبول والتقدير للآخر بغض النظر عن لونه أو عقيدته أو ثقافته، كما تجد الشخص يبعد عن الغضب، ويقبل النقد بصدر رحب؛ ذلك لأن التسامح يقضي بالاعتراف بحق الآخر في الاختلاف في الآراء والأفكار.

مواقف في التسامح في كرة القدم:

1-    تسامح لاعب مع لاعب:

هاجم لاعِبَيّ منتخب مصر "أحمد حسام ميدو، وإبراهيم سعيد" زميلهما اللاعب "محمد أبوتريكة" بعبارات مسيئة له على مواقع التواصل الاجتماعي، وحينما سُئِل "أبو تريكة" عن موقفه من هذه الإساءات، رد قائلا: (هم زملائي بالمنتخب، تعايشت معهم وأكنّ لهم كل الاحترام، وكل شخص له وجهة نظر يجب أن تحترم ويجب عليّ أن أتقبل الآخر).

2-    تسامح لاعب مع مدرب:

تغاضى حكم مباراة بلد الوليد وبرشلونة بالدوري الإسباني عن إعطاء ضربتي جزاء للاعب برشلونة "نيمار" بداعي أنها غير مستحقة، وفي هذه المباراة فاز برشلونة بأربعة أهداف لهدف، وبعد انتهاء المباراة انتقد "خوان مارتينيز" مدرب بلد الوليد "نيمار" قائلا: (إن البرازيلي لاعب رائع، لكنه يعاني من عيب وحيد لن أتحدث عنه)، فرد نيمار عليه قائلا: (لا أعلم ما كان يقصده بذلك، لكني أمل أن يكون أمرا جيدا، وإن كان كذلك فسأستمع جيدا إلى ما يريد قوله).

3-    تسامح لاعب مع الجمهور:

تعرض لاعب النادي الأهلي المصري "السيد حمدي" لانتقادات لاذعة من جمهور النادي الأهلي على مواقع التواصل الاجتماعي نظرا لهبوط مستواه في فترة من الفترات، فكان رده على هذه الانتقادات هو: (أنا إنسان متسامح وسريع النسيان، وأنا أقدر جماهير الأهلي بشدة لأنها ساندتني كثيرا، فجماهير النادي فوق رأسي).

نلاحظ في جميع الردود السابقة من هؤلاء اللاعبين تجاه منتقديهم ليست ردود عن ضعف منهم بل على العكس فإن موقع كل منهم يسمح له بالرد وبقوة، إلا أن سمو النفس ورقيها منعها من الرد بالمثل، كذلك أدت هذه الردود المتسامحة إلى إخماد نار الفتنة وقطعت الطريق على كل الذين يريدون إشعالها واستغلال التراشق اللفظي في تأجيج الصراع بين الأطراف، كما أنها زادت من احترام الجميع لهم بما فيهم المنتقدين أنفسهم، وأدت إلى زيادة شعبيتهم بين الجماهير.

أهمية التسامح بالنسبة للاعب كرة القدم:

1-  التسامح يحمي اللاعب من الأنانية ويمنعه من التعصب ويضبط انفعالاته مما يحقق له التوازن النفسي المطلوب داخل الملعب مما ينعكس بالإيجاب على أدائه.

2-    التسامح يحمي اللاعب من النرجسية المفرطة ويقلل من أسباب الحقد والكراهية للآخرين.

3-  التسامح يقضي على الفتن والانقسام بين اللاعبين ويقطع الطريق على أولئك الذين يثيرون المشاكل بين زملائهم من خلال القيل والقال.

4-    التسامح يحقق مبدأ سلامة الصدر بين جميع اللاعبين وينشر روح المحبة والود والوحدة بينهم.

5-  التسامح يسمو بالنفس ويجعلها أكبر من أن تفكر في الأمور التافهة والانتصار الأعمى للنفس والبعد عن سفاسف الأمور، كما يساعد اللاعب على التركيز على أهدافه الكبيرة.

6-  التسامح يكسب اللاعب مهارة التعامل مع منتقديه دون أن يتعصب أو ينفعل، وبالتالي يكسب مزيدا من مؤيديه وتزداد شعبيته في الوسط الرياضي وخارجه.

إن ممارسة خُلُق التسامح تؤدي إلى تحقيق التماسك بين الأفراد في أي تجمع سواء كان تجمعا رياضيا أو غيره من التجمعات، مما يساهم بدوره في تحقيق التعايش بين أفراد المجتمع والبعد عن العنف ونبذ التعصب الأعمى الذي يؤدي إلى تمزيق وحدة النسيج المجتمعي.

 

من هنا يمكننا أن نقول أنه يمكن استثمار كرة القدم في بناء خُلُق التسامح والذي من شأنه أن يحقق المادة الرابعة من إعلان المبادئ بشأن التسامح والذي صدر عن الدورة (28) للمؤتمر العام لمنظمة اليونيسكو في 1995 والتي تهدف إلى تنشئة مواطنين يقظين مسئولين ومنفتحين على ثقافات الآخرين، يقدرون الحرية حق قدرها ويحترمون كرامة الإنسان والفروق بين البشر. 




التعليقات


إضافة تعليق