تعرض المدونة مقالات رأي ومقالات رياضية

صناعة الرأي العام وإدارته (1)

صناعة الرأي العام وإدارته (1)

محمد كمال

بقلم: محمد كمال - الأحد 31 أغسطس 2014

جميعنا يتابع بشغف الأحداث المتسارعة والمتغيرة في مصر، ورأينا كيف اغتال العسكر والمتحالفين معه الحلم المصري والقضاء على ثورة 25 يناير، وكيف تحولت فجأة هذه الثورة التي أشاد بها العالم أجمع إلى مؤامرة صهيونية وأمريكية وسط مباركة ممن يطلقون على أنفسهم النخب والتابعين لهم.

لم يكن أحد ليتصور بعد إسقاط مبارك أنه سيأتي يوما ويقال على شاشات التليفزيون والصحف اليومية بأن ثورة 25 يناير كانت مؤامرة وأن الثوار ما هم إلا خونة وعملاء ينفذون أجندة دولية، ولم يتصور أحد بأنه سيأتي اليوم الذي يزج بنشطاء الثورة في السجون، فالجيش الذي استولى على السلطة الآن أعلن حينها بدهاء ومكر أنه يساند الثورة والثوار وأدى اللواء الفنجري التحية العسكرية لشهداء الثورة على شاشة التليفزيون أمام مرأى ومسمع جميع المصريين والمتابعين من جميع أنحاء العالم. والسؤال هنا: ما الذي حدث وأدى إلى تحول الثورة المضادة من مرحلة التخفي والتستر وعدم القدرة على المواجهة إلى مرحلة الإعلان والبطش بكل من له علاقة بالثورة بل والوصول إلى رأس السلطة؟ والإجابة على السؤال تتمثل في السلسلة التي نبدأها بهذا الجزء وهو كيفية صناعة الرأي العام وإدارته.

ماذا يقصد بالرأي العام؟

معتقدات لأراء الأفراد عن أمور ومسائل واسعة الانتشار، أو عن مصلحة عامة، أو حادث معين، وهو أيضا تصور معلن (انتقل من السرية إلى العلن، ويجهر به قولا وفعلا) إزاء مسألة أو مشكلة هامة وعامة، يترتب عليه موقف عملي إزاء المسألة موضوع الرأي.

تقسيم الرأي العام:

هناك عدة تقسيمات للرأي العام نذكر منها ما يهمنا في هذا الموضوع وهو:

1-    رأي عام قائد:

ويمثله النخبة من العلماء والمثقفين والمشتغلين بالسياسة، وتخشاهم السلطة الحاكمة ذلك لأنهم يقودون العامة. ولذلك وعى نظام مبارك هذا الأمر وقام بترويض النخبة المصرية وأدخلها في حظيرته لتكون مأمونة الجانب، وهذا ما يجنيه النظام الحالي في مصر؛ حيث استطاع تجنيد طائفة ممن يطلق عليهم النخبة واستخدمهم في الدفاع عنه وتخوين كل من يعارضه. والأمثلة على ذلك كثيرة، فهناك العديد من أساتذة الجامعات في التخصصات المختلفة، والخبراء السياسيين، ودعاه مسلمين ومسيحيين، وحتى رؤساء لمنظمات حقوق الإنسان المصرية تم استخدامهم كأدوات لتلميع النظام الحالي داخليا وخارجيا.

ولذلك يجب على الإصلاحيين أن يواجهوا هذه النخبة الفاسدة عن طريق وضع خطة استراتيجية تهدف إلى صناعة نخبة قوية تكون قادرة على قيادة الحراك الشعبي نحو الديمقراطية، وصناعة النخبة لها آليات معينة تستطيع أي جهة تطبيقها من أجل الحصول على منتج قوي يحقق لها ما تريد. إذن صناعة النخبة الموجهة تجني ثمارها في توجيه الرأي العام.

ولإدراك قوة وأهمية دور الرأي العام القائد في كبح جماح السلطات نذكر هذا المثال القديم:

عن يحيي بن أكثم قال: "قال لنا المأمون، لولا مكان يزيد من هارون لأظهرت القرآن مخلوق، فقال بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين ومن يزيد حتى يُتّقى؟، قال فقال: ويحك؟ إني لا أتقيه لأن له سلطانا أو له سلطنة، ولكن أخاف إن أظهرته فيرد عليّ الناس وتكون فتنة، وأنا أكره الفتنة.

إن الرأي العام يحتاج إلى قادة يتمتعون بالقدرة التأثيرية على قناعات الشعب لدرجة قد تصل إلى تغيير الرؤى والتصورات الشعبية بحيث تتحكم فيها أو تعدلها، ولذلك وعي القائمون على السلطة الحالية هذا الأمر وقاموا باعتقال جميع قيادات المعارضين للانقلاب خاصة قيادات الإخوان المسلمين من الصف الأول والثاني وحتى الثالث في أعقاب الانقلاب العسكري. 

2-    رأي عام تابع:

ويمثله الفئة الفاهمة التي يمكنها إدراك الأمور من خلال دلائلها، وهم الذين لا يسمحون بأي معلومة أن تمر على عقولهم مرور الكرام؛ إذ يقومون بتفنيدها ومراجعتها من أجل تقرير مدى صدقيتها ومنطقيتها، والفرق بين هذه الشريحة والتي تليها، هو أنها تكون رأيها عن علم ومعرفة، لا عن تقليد.

3-    رأي عام مقلد:

ويمثله الأغلبية العظمى من الناس، وهم العوام من الناس كالعمال والصناع والفلاحون وأصحاب الحرف والمهن. وهذه الشريحة يسهل خداعها وتزييف وعيها، ومن ثم التأثير عليها.

وهذه الشريحة تكتفي بترديد ما يلقى على مسامعها أو ما تشاهده من وسائل الإعلام، ولذلك لا تستغرب حينما تجد من يردد أكاذيب أحد الإعلامين الذي قال أن الإخوان عندهم كرة أرضية تحت الأرض، ولا تستغرب أيضا من يردد خزعبلات أن أمريكا مرعوبة من السيسي وأنه هدد بنسف الأسطول الأمريكي السادس في البحر المتوسط وقام بأسر قائده.

لا تحسب أن هؤلاء الإعلاميون الذين يبثون هذه الأكاذيب أنهم أغبياء أو متخلفون، بل هم واعون جيدا لما يقولون، ويخاطبون بخزعبلاتهم الشريحة العامة من الناس والتي تصدق جميع ما يقال.

من خلال ما تقدم نخلص إلى أن صناعة النخبة وترويضها له دور كبير في توجيه الرأي العام إلى السياسات المرغوبة من قبل السلطة الحاكمة للدولة، كذلك الأمر بالنسبة للعامة الذين يمثلون الرأي العام المقلد، فهم الوقود الذي يشعل ويحرك أي قضية تقف وراءها جهة ما.



التعليقات


إضافة تعليق