تعرض المدونة مقالات رأي ومقالات رياضية

صناعة الرأي العام وإدارته (2)

صناعة الرأي العام وإدارته (2)

محمد كمال

 بقلممحمد كمال - السبت 06 سبتمبر 2014

في محاولة منا للإجابة على التساؤلات التي طرحناها في الجزء الأول من الموضوع، والتي كان منها: كيف تحولت ثورة يناير من كونها ثورة شعبية إلى مؤامرة صهيونية وأمريكية من وجهة نظر بعض المصريين، مع تحول رموز الثورة من وطنيين إلى عملاء وخونة تم الزج بهم في السجون. الآن نستكمل في الجزء الثاني كيف تم التلاعب بقطاع ليس بالقليل من الشعب المصري والتأثير عليه من خلال صناعة رأي عام يخدم الثورة المضادة ومن ثم تم الانقضاض على ثورة 25 يناير وإسقاط أول نظام مدني ديمقراطي في تاريخ مصر.

كيف تصنع رأيا عاما؟

يبدأ الموضوع بصناعة حدث مهم ليكون قضية الساعة والتي تهم شريحة كبيرة من المجتمع، ثم تقوم الجهة التي هي وراء إثارة القضية بتوجيه المناقشات التي تدور حول هذا الحدث بما يخدم أهدافها التي تسعى إلى تحقيقها، وحصيلة تلك المناقشات والآراء يتكون الرأي العام؛ حيث ينتج من خلال التفاعل بين الأفراد والجماعات مما يؤدي إلى رغبة الناس في إيصال أرائهم ومشاعرهم بالطريقة التي يرونها ملائمة بالنسبة لهم.

ومثال على ذلك: إثارة موضوع بناء سد النهضة الأثيوبي والآثار السلبية الناتجة عن بنائه وتوظيف ذلك ضد الرئيس محمد مرسي، حيث استطاعت جميع وسائل صناعة الرأي العام حشد الجمهور ضد الرئيس مرسي في هذا الوقت، مما أثر كثيرا على شعبيته بين المصريين. والسؤال هنا:

ما الوسائل التي يتم من خلالها صناعة الرأي العام؟

1- وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، وهي تلعب دورا محوريا في صناعة وإعادة تشكيل الراي العام.

2- مواقع التواصل الاجتماعي: ورأينا جميعا كيف كان لها دورا قويا في إعطاء إشارة البدء للقيام بثورة 25 يناير، ولنا حديث في هذا الموضوع عن الرأي العام الإلكتروني.

3- المنتديات والحوارات.

4- الندوات والاجتماعات الشعبية.

5- الأحزاب السياسية وجماعات الضغط.

6- خطبة الجمعة.

ولأن صناعة الرأي العام تقوم على مخاطبة العقل والعاطفة لدى الجمهور، تعمل الأنظمة الحاكمة وخاصة المستبدة في الدول الإسلامية على توجيه خطبة الجمعة؛ ذلك لأنه فيها يرتبط العقل بالوجدان، ويرتبط الرأي العام بهذين الجانبين، فالعقل يؤكد على المعلومات المتعلقة بالقضية، والوجدان يمد القضايا بالوقود النفسي اللازم لاستمرار القضية بحيث لا تنطفئ جذوتها.

وإليكم الموقف التالي الذي يبين الدور القوي لخطبة الجمعة ومدى تأثيره في المسلمين، فحينما سمح السلطان الصالح عماد الدين إسماعيل للصليبيين الفرنجة بشراء السلاح من أهل دمشق، خطب الشيخ العز بن عبد السلام وأفتى بتحريم التعامل مع الصليبيين باعتبارهم محتلين، وقد كان لخطبته أثر كبير في الناس وتناقل الناس حديثه، مما دعا الصالح عماد الدين إلى اعتقاله وعزله الخطابة ومنعه من الفتوى. المثير هو أن الفرنجة عندما علموا بقوة تأثير الشيخ العز بن عبد السلام قالوا لصديقهم الصالح عماد الدين إسماعيل "لو كان هذا قسيسنا لغسلنا رجليه وشربنا مرقتها".

ولا يخفى علينا الآن كيف أن سلطات الانقلاب في مصر قننت خطبة الجمعة ووضعت لها سقفا زمنيا محددا، وموضوعات محددة بما يخدم أهدافها، ومن يغرد خارج السرب فجزاؤه الإيقاف أوالاعتقال، والأمثلة على ذلك كثيرة، نذكر منها إيقاف خطيب مسجد برأس سدر في محافظة جنوب سيناء بدعوى أنه رفع شعار رابعة، وفي دمياط تم إيقاف العديد من خطباء المساجد والتحقيق معهم لأنهم رفضوا وصف 30 يونيو على أنها ثورة وقالوا أن ما حدث في مصر هو انقلاب عسكري على أول رئيس مدني منتخب.

ولكي نتعرف على كيفية التلاعب بعقول ووجدان الجمهور يجب أن نتعرف أولا على مصطلح "التسميم السياسي".

ماذا يقصد بالتسميم السياسي؟

هو عملية ذرع قيم جديدة لتحل تدريجيا محل القيم السائدة مع احتلال هذه القيم الجديدة الأولوية الأولى لدى الجمهور لتصبح القيم القديمة ذات أولوية ثانوية، ومثال على ذلك: تحويل العدو الإسرائيلي من كونه عدو استراتيجي للعرب ومحتل لبلد عربي شقيق إلى جار وصديق نرتبط معه بعلاقات تتسم بالود والمحبة.

وعملية التسميم السياسي تؤثر على العملية العقلية والنفسية لدى الجمهور عن طريق التلاعب بعنصر التكوين المعنوي لديه، والذي يتم التلاعب به من خلال:

1- التضليل: ويقصد به التوظيف السيئ للقيم السياسية والدينية، فمثلا يتم اعتبار المقاومة ضد الاحتلال إرهابا، والثورة ضد الظلم تخريبا ومؤامرة لنشر الفوضى وتهديد أمن الوطن.

2- الترويض: حيث يتم جعل القيم السياسية والدينية متجانسة ومتسقة مع النظم السائدة بصرف النظر عن حقيقتها الواقعية، فمثلا قبيل الانقلاب على الرئيس مرسي نلاحظ أن هناك اتساقا بين الأزهر والكنيسة وحزب النور السلفي والنخبة والنظام السياسي الحالي في جميع المواقف المتعلقة بالشأن المصري، مما كان له أثر كبير في خديعة قطاع كبير من الشعب المصري لتمرير الانقلاب.

مثال على كيفية إعادة صياغة رأي عام سائد لدى الجمهور:

لنأخذ قضية العرب الأولى وهي قضية تحرير أرض فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي، والرأي السائد لدى الجمهور العربي هو حتمية تحرير الأرض المحتلة وطرد المحتل. طريقة التغيير هنا تتم على مرحلتين كالتالي:

المرحلة الأولى: وتستهدف طبقات معينة في المجتمع وخاصة النخبة، حيث يتم زرع قيم تدور حول:

1- الاعتراف بالآخر (يقصد به المحتل) وقبول التعايش معه.

2- إبراز الخسائر التي تعود على المجتمع جراء أعمال المقاومة ضد المحتل (الضرر النفسي والمادي للحرب).

3- مزايا السلام والتنمية في ظل علاقات طبيعية مع المحتل. (نلاحظ أن جملة السلام خيار استراتيجي كانت تتردد كثيرا جدا في أوساط النخبة وتروج لها وسائل الإعلام بكثرة).

لو لاحظنا هذه القيم لوجدناها أمرا مرغوبا ولكن ليس في هذه الحالة لأن البلد في حالة احتلال اغتصب الأرض، وهذا يأتي في إطار التضليل والتوظيف السيئ للقيم السياسية.

المرحلة الثانية: يتم تضخيم القيم التي تم زرعها في المرحلة الأولى وذلك عن طريق وسائل الإعلام ليتم إحلالها محل القيم القديمة لتحتل أولوية لدى الجمهور، وبالتالي نكون قد أجرينا عملية إعادة صياغة وتكوين للرأي العام تجاه هذه القضية وهي قضية تحرير أرض فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي.

من خلال ما تقدم تعرفنا على وسائل صناعة الرأي العام، وكيف يمكن لأي نظام حاكم أن يتلاعب بعقول ونفسية الشعب من أجل توجيهه وقيادته بما يخدم أهدافه، كما تعرفنا على آلية صناعة وإعادة صياغة رأي عام تجاه قضية معينة. ولذلك يجب على المصلحين في أي مكان وزمان أن يتعلموا مهارات وفنون صناعة الرأي العام حتى يتم توظيفها توظيفا إيجابيا يخدم المجتمع ويحميه من التسميم الفكري والذي يتسبب في الانقسام بين أبناء الوطن الواحد.

 

 



التعليقات


إضافة تعليق