تعرض المدونة مقالات رأي ومقالات رياضية

إدارة الانطباع (2)

 إدارة الانطباع (2)

 
الثلاثاء 10 فبراير 2015 - بقلم: محمد كمال

تحدثنا في الجزء الأول من الموضوع عن مفهوم إدارة الانطباع وأوردنا أمثلة لتوضيح ذلك المفهوم، وعرفنا أن عملية إدارة الانطباع هي العملية التي من خلالها يسعى الفرد إلى التأثير في تصورات الآخرين عن صورته الشخصية، وأن هذه العملية تتم من خلال أداء يقوم به هذا الشخص والذي يجب أن يتوفر فيه عنصر التناسق والترابط بين مكوناته، وأنه إذا حدث تناقض في المكونات فإن هذا يحدث نوعا من الارتباك وبالتالي يتكون لدى الآخرين انطباع مغاير مولدا استجابات غير مرغوبة.

ونذكر هذا المثال على المستوى العائلي حيث يريد أب أن يترك انطباعا لدى أولاده بأنه يحترم الوقت، حيث تجده يقوم بعمل جدول زمني للبرنامج اليومي له، يذهب إلى عمله في الوقت المحدد، يتناول وجبات الطعام اليومية في وقت محدد، حتى وقت الترفيه له ولأسرته يحدد له وقته الخاص وهكذا. ولكن إذا تناقض كلام هذا الأب مع أفعاله فهذا بلا شك يحدث نوعا من التناقض مما يؤدي إلى الارتباك وبالتالي لن يستطيع أن يغرس في أبنائه قيمة احترام الوقت بل سيعطي لهم صورة سلبية عن ذاته ربما تؤدي إلى فقدانه احترامهم له.

ما مدى صحة أو خطأ مقولة "الانطباع الأول يدوم"؟

قبل أن نجيب عن هذا السؤال نسوق المثال الواقعي التالي: الفنان والممثل المصري عادل إمام قدم أعمالا سينمائية ومسرحية متنوعة، فتارة ظهر في أفلام الأكشن مثل شمس الزناتي وسلام يا صاحبي وقدم الشخصية القوية وأقنع بها جماهيره، وتارة أخرى ظهر بمظهر كوميدي يثير ضحك كل من شاهده، مثل أعماله في مسرحية شاهد مشافش حاجة، والعيال كبرت. نجده هنا ترك انطباعات مختلفة لدى جماهيره في أعمال فنية متنوعة، وبرغم أن شخصيته الحقيقية ربما تكون عكس كل هذه الشخصيات إلا أننا عندما نشاهده نتأثر بأعماله.

مثال آخر، قد تجد نفسك حائرة في تقييم شخصية فرد ما، ولسان حالك يقول إن هذا الشخص أحيانا أراه عبقريا وأحيانا أخرى أراه غبيا جدا، وهذه الحيرة نتجت من الانطباعات المختلفة التي تركها هذا الشخص لديك بسبب تباين أدائه في المواقف المختلفة. وحتى ربما تأخذ فكرة سلبية عن شخص ما وتكون انطباعا سلبيا عنه وتجده شخصا غير مرغوبا لديك، ولكنك حينما تقترب منه وترى منه مواقف إيجابية فإنك حتما ستغير رأيك فيه وتعيد تشكيل انطباعك عنه.

من الذي يقوم بإدارة الانطباع؟

لا تقتصر عملية إدارة الانطباع على شخص واحد فقط، وإنما يمكن أن يقوم بهذه العملية فريق عمل متكامل يهدف إلى إبراز صورة معينة لشخص أو مؤسسة أو دولة، وهذا يحدث في كل دول العالم حيث تلعب جميع مؤسسات كل دولة وعلى رأسها الإعلام ومن ورائها المخابرات دورا جوهريا في التأثير على الرأي العام للجمهور وتوجيهه نحو قضايا معينة كلٌّ على حسب أهدافه التي يريد تحقيقها، وكما سبق وأن أشرنا فإنه يمكن رسم وترك انطباعات مختلفة أو تعديلها بل وتغييرها تماما داخل الشخص الواحد أو الفئة الجماهيرية الواحدة.

والدليل على ذلك ما فعله الإعلام المصري بعد ثورة 25 يناير عام 2011، فلقد تغير الإعلام جذريا من إعلام داعم لنظام مبارك إلى إعلام الثورة، وأخذ الجميع يتحدث عن الثورة كما لو كانوا من صانعيها، وحينها بزغ نجم جماعة الإخوان المسلمين وقدمها الإعلام على أنها ساهمت في نجاح الثورة عبر صمود أبنائها في موقعة الجمل، ثم تحول ذلك تدريجيا إلى اتهام لها بالتآمر وصولا إلى إدراجها على لائحة الجماعات الإرهابية، وبرغم أن قطاعا كبيرا من المجتمع غير راض عن ذلك إلا أنه في المقابل تجد أن عددا لا يستهان به من المصريين صدّق كل هذه الادعاءات برغم علمه التام أن الإعلام المصري حاد عن مهنيته. 

أساليب إدارة الانطباع: إن هذه الأساليب يطبقها الفرد والمؤسسة وحتى على مستوى سياسة الدولة ككل، وهذه الأساليب كثيرة جدا نذكر منها باختصار شديد:

1- المدح: وهو ذكر الممدوح بالكلام الحسن سواء أمامه أو في غيابه. وهذا ما تقوم به القنوات الإعلامية التي تريد أن تصنع انطباعا إيجابيا عن شخصية ما، وكذلك الأمر يمكن أن يقوم بذلك فريق حملة رئاسية أو المكلف بعمل دعاية انتخابية لشخصية سياسية أو حتى دعاية لشخصية إعلامية أو فنية ... إلخ.

2- الإطراء: وهو ذكر الممدوح بالكلام الحسن أمامه فقط. ولعل هذا هو الفرق بين المدح والإطراء.

3- التبرير: ويقصد به تقديم الأعذار والحجج التي دفعت الشخص للإقدام على فعل شيء ما، وهي لا تعكس الدوافع الحقيقية لفعل ذلك الشيء حتى لو بدت مقبولة للجميع.

4- تحسين الذات: وفيها يسرد الفرد لنفسه وللآخرين مميزاته وقدراته وأنه قادر على فعل كذا وكذا. ويتم استخدام ذلك الأسلوب في ترك انطباع إيجابي في ذهن المتلقي سواء كانت جمهورا أو فردا.

5- الحظوة: وهي المكانة والمنزلة، ولعلنا نذكر الكاتب المصري محمد حسنين هيكل، فهو استطاع أن يترك انطباعا لدى الآخرين على أنه يحظى بمكانة كبيرة لدى معظم صانعي القرار في العالم ورأينا كيف تم الاستعانة به كأحد الشخصيات البارزة ليكون أحد صانعي الخلطة السحرية للانقضاض على الرئيس محمد مرسي.

6- الترهيب: كأن تستعرض قوتك والتي بواسطتها تستطيع السيطرة على الآخرين (مثل القوة العسكرية، القوة التكنولوجية ... إلخ) ولعلنا نذكر قوله تعالى في سورة الأنفال "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ترهبون به عدو الله وعدوكم". هذا يصنع انطباعا لدى الآخرين بأنك تمتلك القوة التي تجعلهم يهابونك ويخشون غضبتك.

7- الضبابية: بأن تظهر للآخر أنك غامضا وغير معروف وغير مأمون العواقب أيضا، ولذلك تعمل كل دولة على إخفاء جانب من قدراتها العسكرية، وفي المقابل تسعى أجهزة استخبارات الدول على جمع أقصى ما تستطيع من معلومات عن الدول الأخرى من حيث قدراتها العسكرية والمادية والبشرية .. إلخ.

8- التفاخر: كأن يتفاخر شخص أو مؤسسة أو دولة بأنها تمتلك خبرة في مجال ما، فمثلا تجد أن الهند تفتخر بأنها الأولى عالميا في مجال تكنولوجيا المعلومات، والكيان الصهيوني الأول عالميا في مجال الطائرات بدون طيار.

9- القوة: وفيه تظهر جوانب القوة لديك والتي يمكن بها أن تؤثر على الآخرين من حولك، والقوة بصفة عامة عندما تظهر للآخرين بأنك تمتلكها (أي نوع من أنواع القوة) فهي تجعلهم يلتفون حولك ويحتمون بك.

10- التعزيز: وهو إما ثابت أو متغير، فمثلا تجد أن شركات الاتصالات بين الفينة والأخرى تقدم العروض والخصومات الشهرية على الاتصالات. وكذلك الأمر تجده بالنسبة لسياسة الحاكم تجاه شعبه، فقد تجد حاكما لإحدى الدول يستثمر مناسبة ما من أجل رفع الديون عن مقترضي البنوك، وآخر يقرر صرف مكافأة مالية لكل أبناء الشعب، كل هذه الأمور تساهم في رسم انطباع موجه يهدف إليه صاحبه.

نخلص من ذلك أن الفرد يستطيع تشكيل عدة انطباعات لدى الشخص الواحد عبر أداءاته الموقفية المختلفة من أجل تحقيق الأهداف التي خطط للوصول إليها. وينطبق نفس الأمر على المؤسسات والشركات وحتى على سياسات الدول.



التعليقات


إضافة تعليق