تعرض المدونة مقالات رأي ومقالات رياضية

أين أنتم من الاقتصاد المعرفي

محمد كمال

بقلم: محمد كمال، الأربعاء 06 مايو 2015

على الرغم من أني ألتهم كل ما تطاله يدي من مصادر للمعلومات، إلا أنني ولأول مرة أتعرف على مصطلح "الاقتصاد القائم على المعرفة" Knowledge Based Economy وذلك في منتدى الدوحة الدولي الرياضي الثالث والذي عقد في نوفمبر 2014، حيث كانت إحدى جلسات هذا المنتدى مخصصة للحديث عن هذا الموضوع.

وحداثة معرفتي بالموضوع حفزتني لأن أقرأ وأبحر فيه، ولكني وجدت نفسي أبحر بقارب صغير في بحر معلوماتي هائل، وبالفعل نهلت منه ما نهلت، وبالتالي أردت أن أتناول الموضوع من زاوية مهمة وهي العنصر البشري وذلك حتى يمكن الإفادة منه بأقصى طريقة ممكنة سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى المؤسسات.

وقبل أن أبدأ في الموضوع أسأل القارئ الأسئلة التالية:

- ما بلد منشأ الهاتف الجوال الذي تستخدمه؟ وما بلد منشأ الغسالة الأوتوماتيك التي تستخدمينها في منزلك؟ وما بلد منشأ السيارة التي تستخدمها؟

- كم من المعارف والمهارات التي تمتلكها أنت أو غيرك من نفس بلدك لكي تتمكن من تصنيع مثل هذه الآلات؟

- إن لم يتمكن أي شخص من تصنيع مثل هذه الآلات، كم بالمائة من المجتمع يعرف آلية تصنيعها، أو كيفية إصلاح الأعطال بها؟

- ما المهارات والمعارف التي تمتلكها لكي تحقق من خلالها دخلا ماديا؟ وإن لم تمتلك هذه المهارات، كيف لك أن تحصل عليها لتبني اقتصادا وتُدِرّ دخلا ماديا منها؟

- في أي تصنيف يمكن أن تضع نفسك، مستهلك للمعرفة؟ أم منتج للمعرفة؟ أم ناقل للمعرفة؟

ولكي تتضح الصورة أكثر، وقبل أن نتطرق لتعريف الاقتصاد القائم على المعرفة، نريد أن نتعرف أولا على مفهوم "المعرفة"، حيث تم ذكره في تقرير اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا التابع للأمم المتحدة (2005)، على أنه معلومات تستخدم من أجل اتخاذ قرارات أفضل تنتهي إلى اتخاذ إجراءات عقلانية. والمعرفة يمكن أن تكون على شكل وثائق وإجراءات وعمليات ومهارات مرتبطة مباشرة بالاحتياجات والمشاكل الأساسية وذات أثر حاسم ومفيد.

والمعرفة في حد ذاتها شيء لا قيمة له إلا إذا تم تحويله إلى منتج ذو قيمة، وهذا المنتج يكون على صورة خدمة أو سلعة، فمثلا نجد أن هناك كم هائل من المعارف التي يمكن استخدامها من أجل تصميم الكمبيوتر اللوحي مثل المعارف في مجال الفيزياء وتصميم الدوائر الكهربائية والرسم الهندسي والديكور الخارجي وطرق التسويق حتى الجانب النفسي لتقبل شكل المنتج، كل هذه المعارف إن لم تترجم في صورة تصميم الكمبيوتر اللوحي فلن تكون ذات قيمة.

تعريف الاقتصاد القائم على المعرفة:

سأقتبس هنا تعريفا ذكره الدكتور محمد أنس أبو الشامات نقلا عن "عبد الرحمن الهاشمي، فايزة العزاوي" والذي يقول بأن اقتصاد المعرفة هو " الاقتصاد الذي يكون للتطور المعرفي والإبداع العلمي الوزن الأكبر في نموه، ويقوم على تنمية الموارد البشرية (عمال المعرفة) علميا ومعرفيا كي تتمكن من التعامل مع التقنيات الحديثة والمتطورة، معتمدا على المعرفة التي يمتلكها العنصر البشري كمورد استثماري وكسلعة استراتيجية وكخدمة وكمصدر للدخل القومي.

والعنصر البشري هو كلمة السر في إقامة اقتصاد قوي لدى أي دولة أو مؤسسة أو حتى شركة صغيرة؛ حيث يتعين على المسئولين الذين يؤمنون بأهمية الاقتصاد القائم على المعرفة أن يعملوا على إكساب الأفراد المهارات التي تمكنهم من إنتاج وتوليد المعرفة والتي يمكن استخدامها في بناء اقتصاد قوي يدر دخلا ماديا، كما يمكن لهؤلاء الأفراد أن يقوموا بتصدير هذه المعرفة التي أنتجوها لقاء مقابل مادي معين.

ومثال على ذلك شركة سامسونج الكورية الجنوبية للهواتف المحمولة؛ حيث رأينا كيف استطاعت منافسة أقوى الشركات العالمية في نفس المجال أمثال أبل ونوكيا، وكان العنصر البشري هو الحاسم في هذه المنافسة وذلك من خلال إنتاج المعرفة وتوليدها ومن ثم تصديرها وتحقيق عائد اقتصادي قوي.

بعض المؤشرات التي تدل على النجاح في التوجه نحو اقتصاد المعرفة:

1- نسبة المكون المعرفي في ثمن السلع والخدمات والمنتجات، أي ما نسبة مساهمتك المعرفية في وصول هذه السلعة أو الخدمة أو المنتج لهذا الشكل؟

ولذلك فإن الرئيس المصري محمد مرسي والذي عزله الجيش في يوليو 2013، حينما كان يردد دائما أننا نريد أن ننتج غذاءنا ودوائنا وسلاحنا، كان يقصد وقتها أنه يتجه نحو بناء اقتصاد قائم على المعرفة، من أجل أن تكون مصر في مصاف الدول المتقدمة والتي تستطيع أن تصدر ما تصنع مكونة اقتصادا قويا ذو تنافسية عالمية.

كما نذكر كيف كان الرئيس محمد مرسي يخطط للإفادة من مهارات الأيدي العاملة في تصنيع أول سيارة مصرية بنسبة 100% أي أن جميع مكوناتها صناعة مصرية خالصة، وكذلك مشروع التابلت إينار الذي أيضا هو صناعة مصرية، ولكن ذلك لم يكتب له النجاح بسبب ما حدث في يوليو 2013. كل هذه الأمثلة تدخل في إطار بناء اقتصاد قوي قائم على المعرفة.

2- الصادرات المعرفية والواردات المعرفية: لو أخذنا الهاتف المحمول من نوع سامسونج كمثال، كم بالمائة تمتلك من المعلومات حول تصنيع هذا الهاتف؟ وما تصنيفك، هل أنت مستورد للمعرفة في هذا المنتج؟ أم أنت منتج للمعرفة وتصدرها للخارج؟

3- عدد براءات الاختراع وحقوق الملكية الفكرية، بما فيها التجارية: وبالنسبة لبراءات الاختراع نقصد هنا الاختراعات المؤثرة والهامة، والتي يمكن أن تشكل أحد مصادر القوة الناعمة. ولنتذكر كيف كان لكيميائي يهودي تأثير قوي على سياسة قوة عظمى في هذا الوقت حينما نجح في تخليق مادة النتروجلسرين شديدة الانفجار والتي استخدمتها بريطانيا في صناعة القنابل أثناء حربها العالمية الثانية، وكان الثمن أن تسلم فلسطين لإسرائيل.

4- عدد سنوات الدراسة والتدريب بالنسبة لعمر الفرد: ونلاحظ في الفترة الأخيرة وجود نهم شديد لدى دول الخليج من أجل إعداد مواطنيها وتدريبهم في مجالات العمل المختلفة، حيث أنشئت العديد من المراكز التدريبية لتدريب الموظفين، ونشطت حركة التدريب نشاطا كبيرا، وإن كانت ولا زالت تفتقر لمراكز التدريب التقني في مجال التكنولوجيا المتطورة.

5- عدد الباحثين بالنسبة إلى عدد السكان: ويقدر في بعض الحالات بعدد الباحثين لكل مليون نسمة، وهنا ننوه إلى أن العبرة ليست بكم شخص حاصل على الماجيستير أو الدكتوراه، بل إن العبرة بمدى مساهمة هؤلاء الباحثين في إثراء حركة البحث العلمي في التخصصات المختلفة.

ونصيحتي لزملائي الباحثين في الماجيستير والدكتوراه أن يبحثوا في كل ما هو جديد، ولا يكررون موضوعات سبق وأن تم البحث فيها، ولا يكون ههمهم الوحيد هو الحصول على الدرجة العلمية وفقط.

6- نسبة عدد طلاب العلوم والهندسة إلى مجمل عدد الطلاب بمرحلة التعليم العالي.

7- عدد المقالات العلمية والتقنية المنشورة لكل مليون شخص من إجمالي عدد السكان.

8- مصروف القطاع الخاص على البحث والتطوير.

9- نسبة العمالة المهنية والتقنية لمجمل القوى العاملة، وإلى أي مدى وصل تدريبها. وللأسف الشديد نجد أن أغلب الدول العربية يفتقر إلى العمالة المهنية الماهرة القادرة على الإبداع، بل إن هناك إهمال كبير في قطاع التعليم المهني والذي يعد من أهم روافد الإنتاج البشري من العمالة المهنية الماهرة القادرة على الإنتاج والمساهمة في النهضة الصناعية لبناء اقتصاد قوي.

10- نوعية وجودة تعليم العلوم والرياضيات.

وتعد اليابان من الدول الناجحة في بناء اقتصاد قائم على المعرفة حيث إنها في عام1971 قامت بإعداد خطة تهدف إلى اعتماد الاقتصاد الياباني على المنتجات التي هي ثمار معلوماته ومعارفه وإبداعاته بدلا من الصناعات التقليدية على أن يكون ذلك بحلول عام 2000، وبالفعل تم لها ما أرادت.

قد يقول أحد المثبطين للهمم والذين يتوقفون أمام أول عقبة تواجههم في مشوار تحقيق الأهداف، إن هذا الأمر يتطلب ميزانيات ضخمة ولا يمكن تطبيقه على مستوى أقل من ميزانية الدولة، أقول له تنح جانبا ولتترك غيرك ينفذ على المستوى المصغر وحتما سينجح، فلو كنت معاصرا للأخوان رايت أيها المثبط للهمم، وعرضا عليك فكرة تصميم الطائرة، لفعلت فعلتك هذه وأحبطتهما، ولحرمت البشرية من أحد أهم أعظم الاختراعات في تاريخ الأرض.

إن مسئولية بناء مجتمع معرفي ينبثق منه اقتصاد قائم على المعرفة لا تقع فقط على عاتق قادة الدول وواضعي السياسات، بل إن هذه المسئولية تقع على عاتق الجميع في المجتمع لأنها قابلة للتطبيق على مستوى الأفراد والمؤسسات والشركات.

 

إذن من خلال ما تقدم نخلص إلى أنه على الحركات الإصلاحية التي تربي أبناءها لتصنع منهم قادة يستطيعون قيادة مجتمعاتهم نحو الإصلاح والتطور، عليها أن تبني وتخرج جيلا يفهم ويعي جيدا ماهية وأهمية الاقتصاد القائم على المعرفة، هذا إذا ما أرادت المنافسة من أجل البقاء، ومن أجل امتلاك القدرة على مواجهة التحديات والأخطار التي تحيط بها من كل جانب خاصة وأن هناك من يسعى لإسقاطها والقضاء عليها بشتى الطرق، والأمثلة على ذلك كثيرة، وكل لبيب بالإشارة يفهم.



التعليقات


إضافة تعليق