تعرض المدونة مقالات رأي ومقالات رياضية


محمد كمال

بقلم: محمد كمال - السبت 16 مايو 2015

"ليه تقدر البلاء قبل وقوعه"، "سيبها على الله"، "إحييني النهاردة وموتني بكرة"، "لما ييجي وقتها يحلها ألف حلَّال"، "ياعم إنت ليه بتسبق الأحداث؟" وغيرها من الأمثلة الدارجة والتي نسمعها بين الحين والآخر خاصة عندما يتوقع أحدنا حدوث شيء لا تهواه أنفسنا، أو عندما يسأل ماذا لو ... (مع توقع شيء لا نتمنى حدوثه).

أيضا عندما تحاول توقع سيناريو صعب لحدث ما مع المطالبة بوضع خطة للتعامل معه تجد من يرد عليك ويقول لك "يا أخي الرسول يقول تفاءلوا بالخير تجدوه" مع أن العبارة ليست حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تجد آخر يرد عليك ويقول لك "يا أخي أحسن الظن بالله، فلقد قال أنا عند ظن عبدي بي"، ولكن الاستشهاد بكل من العبارة والحديث ليس في موضعه الصحيح، لأن هذا مدعاه إلى التواكل والركون وأيضا الهروب من المواجهة، كما أن هناك علم يسمى إدارة الأزمات والذي من أهم مراحله هو فن توقع المواقف الصعبة مع وضع خطط للتعامل معها، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد مارس فن إدارة الأزمة في المواقف الصعبة، والموضوع يطول شرحه في هذه الجزئية، ومن أراد أن يطلع على نموذج نبوي في إدارة الأزمة ووضع الخطط البديلة فليطلع على غزوة مؤتة.

ومن هنا نصل إلى السؤال الهام وهو محور حديثنا هنا، ألا وهو: هل الدعوة للتفاؤل تتعارض مع توقع الأحداث الصعبة والتخطيط للتعامل معها وفق سيناريوهات متعددة؟، وقبل أن نجيب على هذا السؤال، ينبغي أن نتعرف أولا على معنى كل من التشاؤم والتفاؤل حتى نستخلص منهما الإجابة على هذا السؤال.

التشاؤم:ورد في معجم اللغة العربية المعاصر على أنه حالة نفسية تقوم على اليأس والنظر إلى الأمور من الوجهة السيئة، والاعتقاد أن كل شيء يسير على غير ما يرام. وفي معجم الرائد، ورد التشاؤم على أن الإنسان من خلاله يعتقد أن كل شيء في الوجود سيء وأن لا سبيل إلى إصلاحه. وإذا نظرنا إلى هذين التعريفين نجد أن المشكلة تكمن هنا في الأفكار السلبية التي كونها المتشائم حيال الأحداث والمواقف أو حتى الأشخاص، والحل يكمن في محاولة الشخص تغيير هذه الأفكار السلبية واستبدالها بأفكار إيجابية تمكنه من مواصلة مسيره نحو تحقيق أهدافه، وهذا لا يتم في يوم وليلة بل يحتاج لممارسة فعلية وربما مساندة من الآخرين وعلى رأسهم المرشد النفسي. فمثلا: البنت التي تعرضت للعنف من قِبَل والدها أو أخاها، تنظر إلى جميع الرجال على أنهم أشرار ولا خير فيهم، وربما يصل بها الأمر إلى رفض فكرة الزواج نهائيا.

وقد تجد شخصا مفرطا في التشاؤم، فهو يبكي على الأطلال ويتوقع السيء ويلطم الخدود، وينتظر المصير الأسود من وجهة نظره بالرغم من أن الواقع أقل إيلاما من توقعاته هذه، فمثلا الشخص الذي تهشمت سيارته في حادث سير مع إصابته بكسر في ساقه، يرى أن حياته قد تدمرت وأنه أصبح معاقا، وسوف يكون وضعه مدعاه لشفقة الآخرين وربما شماتة البعض الآخر، وحياته ستتحول إلى جحيم ولن يطيق العيش على هذا الحال. والواقع عكس ذلك تماما، فحوله أهله يدعمونه وأصدقاؤه المخلصون يدعون له بالشفاء ويسألون عنه، بل إن شدته هذه كشفت له معادن الناس الذين كان يتعامل معهم، وتعلم منها الصبر والقرب من الله أكثر من ذي قبل ...إلخ.

 

التفاؤل:ورد في معجم اللغة العربية المعاصر على أنه استعداد نفسي يهيئ لرؤية جانب الخير في الأشياء والاطمئنان إلى الحياة. وفي معجم الرائد هو أن يعتقد الإنسان أن كل شيء في الدنيا على ما يرام، وأن الخير أقوى من الشر. والتفاؤل يساعد على تحمل مصاعب الحياة.

والتفاؤل يجعلك تتوقع الأفضل وفي نفس الوقت تقوم بوضع الخطط للتعامل مع السيناريوهات الصعبة مع توقع نجاح هذه الخطط؛ لأنك أخذت بكل الأساليب الخططية والوسائل الممكنة والمتاحة لديك وفي حدود إمكاناتك وقدراتك. فمثلا تجد طالبا يدرس الحقوق ويكون هدفه أن يحصل على المركز الأول على دفعته لكي يتم تعيينه معيدا بالجامعة، وإذا سألته ماذا لو لم يتم تعيينك معيدا بالجامعة؟ تجد خطته البديلة هي السعي للالتحاق بوظيفة حكومية، وإذا سألته ماذا لو لم تجد الوظيفة الحكومية؟ تجد خطته الثالثة جاهزة وهي أنه سوف يلتحق بأحد مكاتب المحاماة من أجل أن يكتسب خبرة عملية تمكنه من by TheAdBlock" href="#"> إدارة مكتب خاص به.

كذلك قد تجد شخصا مفرطا في التفاؤل؛ حيث تجده يردد دائما أنه متفائل وأن القادم أفضل ثم يركن ولا يعمل لجعل هذا القادم أفضل كما يدعي، ويعيش في الأوهام والأحلام الوردية ثم يحدث مالا يتوقعه ومالا تهواه نفسه. وأذكر هنا مثالا على المستوى السياسي؛ حيث إنه حينما قامت الثورة المصرية عام 2011 تفاءل أغلب المصريون وتوقعوا أن الغد سيكون أفضل وأفرطوا في التفاؤل ولم يضعوا أي خطط وسيناريوهات بديلة لما يمكن أن تواجهه الثورة ونسوا أن هناك ثورة مضادة لن تستكين ولن تترك الأمر يمر بسلام، وبالفعل نجحت الدولة العميقة بمصر في الانقضاض على الثورة وحدث ما رأيناه في 3 يوليو 2013.

 إذن فإن الإفراط في التشاؤم وتوقع الشر، والإفراط في التفاؤل وتوقع الخير دون اتخاذ خطوات عملية للتعامل مع المواقف والأزمات المتوقع حدوثها، يؤديان إلى فشل صاحبهما فشلا ذريعا، فيجب معالجة ذلك الإفراط فورا، هذا إذا ما أراد الشخص أن ينجح في حياته على المستوى الشخصي أو العائلي أو المهني، وهذا الأمر لا ينطبق فقط على الأشخاص بل ينطبق أيضا على المؤسسات.

 

وإذا عدنا إلى السؤال الذي طرحناه في بداية حديثنا سنجد أن الإجابة عليه تتلخص في أن التفاؤل لا يتعارض أبدا مع توقع السيناريوهات الصعبة والتخطيط للتعامل معها، وذلك حتى لا نتوقف عن تحقيق أهدافنا عند أول عقبة تواجهنا في طريقنا. وفي الحقيقة فإن هذا الأمر لا ينطبق فقط على المستوى الفردي، بل ينطبق أيضا على المستوى المؤسسي؛ حيث إن أي مؤسسة ناجحة ومتميزة تجد لديها فريق by TheAdBlock" href="#"> إدارة أزمة قادر على التنبؤ بالأزمات والعثرات التي قد تواجهها مع وضع الحلول التي تمكنها من تجاوز هذه العقبات وذلك من أجل أن تحقق أهدافها المشروعة.



التعليقات


إضافة تعليق